ســ الاحزان ــر
02-20-2006, 08:21 PM
فكرنا يوما كيف نستعيد تفكيرنا ونبني فكرنا السياسي نحن العرب؟ هل فكرنا يوما وقد دخلنا تاريخا جديدا كيف نخضع تجاربنا الفاشلة للنقد والمكاشفة والمساءلة؟ هل باستطاعتنا ان نقرأ كيف صنعت الامم المعاصرة فكرها السياسي؟ هل استطاع الاف من مثقفينا ان يتخلصوا من قوقعة الماضي واغلاله ومؤدلجاته الطوباوية في القرن العشرين؟
هل سننجح فعلا في بناء اجيال لها القدرة على التعامل براغماتيا في ما بينها، والتعامل بحكمة مع العالم من دون شعارات عاطفية؟ هل استطاع العرب ان يدركوا أن الوعي السياسي يأتي قبل الايمان العاطفي بالاشياء والشخوص والأفكار؟
متى يتحرر الخطاب السياسي العربي من اغطيته السميكة ليغدو معّبرا عن اصدق المفاهيم وينحو نحو واقعية الاشياء بعيدا عن يوتوبيا التعابير المزيفة والانشائيات الفضفاضة؟
متى يحترم الفكر السياسي العربي الرأي الاخر بعيدا عن كل التهميش والاقصاء والقطيعة بل ويتوقف عن كل التهجم والسباب والشتائم، بل ووصلت درجة الاختلاف السياسي فكرا وممارسة إلى قتل وتصفيات وجرائم وانتحارات..
وهذا ليس بشيء غريب علينا، اذ نجد له امتداداته في تاريخنا السياسي العربي، بل وذهب العديد من المفكرين السياسيين العرب الاحرار منذ مئات السنين ضحايا تفكيرهم السياسي واختلاف آرائهم مع الآخرين، فهل بالإمكان ان يتعامل العرب على اسس جديدة في بناء فكر سياسي عربي جديد؟
هل باستطاعتهم ان يتخلصوا من كل بقايا ومواريث الايديولوجيات الساخنة التي ماتت في كل العالم وما زالوا هم يقتاتون عليها ويقتلون زمنهم وفكرهم بل وحتى حياتهم من اجلها؟
إبداع حضاري وعقم سياسي
طالما اردد دوما بأن للعرب خطّين في التاريخ: خط حضاري رائع بكل منجزاته العظمى وخط سياسي بشع بكل مآسيه وقساوته، وكثيرا ما يقع الاول تحت بطش الثاني فيقهره وينفيه او يقتله وينهيه..
وهذا يحتاج إلى تأمل تاريخي طويل كي نستفيد من تجاربنا التاريخية في كيفية تغيير الذهنية السياسية السائدة التي لابد وان تتمتع بالحكمة بدل الجنون، وتمارس الحلم بدل السفاهة، وتعيش الواقع بدل الخيال وتبني المستقبل بديلا عن اغلال الماضي.
ان اي خطوة لبناء فكر سياسي عربي ناضج بحاجة إلى مساحة غير محدّدة من الحريات، وان خطوات اخرى هي بأمس الحاجة إلى الشجاعة والمصداقية، ولعل أهم ما ينقص العرب منذ ازمان انهم يحجمون عن الاعتراف بالخطأ علما بأن «الاعتراف بالخطأ فضيلة» .
كما قال آباؤنا الأوائل. ان مشروع التغيير من اجل بناء منهج فكر سياسي جديد بحاجة ماسة إلى سلسلة هائلة من الاعترافات بحجم الاخطاء السياسية التي ارتكبت في حياتنا السياسية العربية بعيدا عن التسفيه او التشويه او خنق الحقائق.. وان «الاعتراف سيد الادلة» كما يقول رجال القضاء.
لا يمكننا البقاء دهرا طويلا ونحن نجتر الماضي بحيث نمّجد ونفخر ونمتدح ونتأسّى ونندب ونزيّف ونشتم وننتحل الاعذار ونرّبي اولادنا على تزييف الحقائق وخلق امجاد وهمية من اجل مسوّغات واهية، وعلينا أيضاً ان نفكّر طويلا بموجات «المفاهيم» التي تجتاح ثقافتنا السياسية العربية بين جيل وآخر.
وبكل ما تحمله من تعابير ومصطلحات وآراء تعيش بين ظهرانينا زمنا ثم تذهب ادراج الرياح غير مأسوف عليها، ويتجاوزها الآخرون، والعرب لم يتجاوزوها قط . لقد تغّير العالم كله واصبح يتعامل بفكر سياسي واقتصادي براغماتي من نوع جديد ولم يزل العرب يلوكون شعاراتهم !
انها في الحقيقة «مشكلة مفاهيم» فالأمر ليس مقصورا على الفاظ كالاشتراكية والامبريالية وصراع الطبقات ويعيش ويسقط.. وغيرها بل يمتد إلى توليد أفكار لا وجود لها على ارض الواقع، خصوصا بعد ان دخلت الفتاوى الدينية في قلب المنظومة السياسية .
مستلزمات التغيير
إن الحاجة تقتضي ايضا أن نعيد التفكير في كيفية بناء ذهنية سياسية لها شخصيتها وخصوصياتها بعيدا عن استيراد مفاهيم من زمان او مكان معينين لا يمكن تطبيقها واقعياً أبداً، ولقد بدا لنا جميعا ما الذي لاكته الالسن .
ونشرته المطابع واذاعته الاذاعات من شعارات وسياسات أخذتنا إلى حيث الجحيم، بعد ان اعتمد قادتنا وصناع قراراتنا على فكر سياسي عربي هش يكتبه وينشره ويذيعه سياسيون وكتبة غير واقعيين ابدا .
ان الفكر السياسي العربي لابد ان يبنى على معرفة ما وصل اليه عالم اليوم بعيدا عن التزمّت وان نفصل بين الفكر السياسي وبين الممارسة السياسية ، كما ونجد العاطفة السياسية تغلب على التفكير السياسي واذا ما انتقل هذا الأمر إلى الممارسة السياسية فسيجلب كوارث لا محالة، لأن أصحابنا سيتخيلوا الأوهام حقائق ويقيسون عليها قياسات سياسية وهمية فتزدحم حياتنا بالمآسي كما حدث..!
إن حمى هستيريا تصيب العرب عندما تستقطبهم بعض الاحداث المصيرية الكبرى فيتوهمون الاكاذيب حقائق وان النصر قريب وفجأة تحل الهزيمة فيحل بهم الحزن والاسى بعد ايام من الذهول من دون ان يعيدوا حساباتهم ولو لمرة واحدة كونهم يعتقدون ان صنّاع الكوارث ابطال حقيقيون !
وبرغم كل الجنايات والاهوال فلم يزل العرب يدافعون عن اخطاء وخطايا وجنايات من دون ان يخضعوا ما مضى للنقد والمكاشفة والمحاسبة التاريخية لكل من اساء في سياساته وقراراته وخروقاته المفجعة لهذه الامة المسكينة التي ابتليت بمثقفين وساسة عاطفيين لم يميزوا بين الاشياء والالوان والوقائع والتوجهات.
ولم يفرقّوا بين الحلم والممكن والطموح ولم ينزلوا إلى ارض الواقع من سماء الخيال.. ان ما يسود اليوم في البيئة العربية من اراء هشة ممتزجة بالعاطفة والاسطورة والاوهام والانشاء وترديد النصوص..
الخ لا يعد فكرا سياسيا بأي حال من الاحوال . فهل سينجح الجيل الجديد والقادم بمحاولات جريئة من اجل بناء خطوات تأسيسية لفكر سياسي عربي جديد؟ هذا ما يمكن التأمل فيه والعمل من اجله..
وعند ذاك سيقول الأحفاد: صفقوا يا إخوان، فلقد انتهت المهزلة!
مع تحياتي للجميع
اختكم
ســ الاحزان ــر
هل سننجح فعلا في بناء اجيال لها القدرة على التعامل براغماتيا في ما بينها، والتعامل بحكمة مع العالم من دون شعارات عاطفية؟ هل استطاع العرب ان يدركوا أن الوعي السياسي يأتي قبل الايمان العاطفي بالاشياء والشخوص والأفكار؟
متى يتحرر الخطاب السياسي العربي من اغطيته السميكة ليغدو معّبرا عن اصدق المفاهيم وينحو نحو واقعية الاشياء بعيدا عن يوتوبيا التعابير المزيفة والانشائيات الفضفاضة؟
متى يحترم الفكر السياسي العربي الرأي الاخر بعيدا عن كل التهميش والاقصاء والقطيعة بل ويتوقف عن كل التهجم والسباب والشتائم، بل ووصلت درجة الاختلاف السياسي فكرا وممارسة إلى قتل وتصفيات وجرائم وانتحارات..
وهذا ليس بشيء غريب علينا، اذ نجد له امتداداته في تاريخنا السياسي العربي، بل وذهب العديد من المفكرين السياسيين العرب الاحرار منذ مئات السنين ضحايا تفكيرهم السياسي واختلاف آرائهم مع الآخرين، فهل بالإمكان ان يتعامل العرب على اسس جديدة في بناء فكر سياسي عربي جديد؟
هل باستطاعتهم ان يتخلصوا من كل بقايا ومواريث الايديولوجيات الساخنة التي ماتت في كل العالم وما زالوا هم يقتاتون عليها ويقتلون زمنهم وفكرهم بل وحتى حياتهم من اجلها؟
إبداع حضاري وعقم سياسي
طالما اردد دوما بأن للعرب خطّين في التاريخ: خط حضاري رائع بكل منجزاته العظمى وخط سياسي بشع بكل مآسيه وقساوته، وكثيرا ما يقع الاول تحت بطش الثاني فيقهره وينفيه او يقتله وينهيه..
وهذا يحتاج إلى تأمل تاريخي طويل كي نستفيد من تجاربنا التاريخية في كيفية تغيير الذهنية السياسية السائدة التي لابد وان تتمتع بالحكمة بدل الجنون، وتمارس الحلم بدل السفاهة، وتعيش الواقع بدل الخيال وتبني المستقبل بديلا عن اغلال الماضي.
ان اي خطوة لبناء فكر سياسي عربي ناضج بحاجة إلى مساحة غير محدّدة من الحريات، وان خطوات اخرى هي بأمس الحاجة إلى الشجاعة والمصداقية، ولعل أهم ما ينقص العرب منذ ازمان انهم يحجمون عن الاعتراف بالخطأ علما بأن «الاعتراف بالخطأ فضيلة» .
كما قال آباؤنا الأوائل. ان مشروع التغيير من اجل بناء منهج فكر سياسي جديد بحاجة ماسة إلى سلسلة هائلة من الاعترافات بحجم الاخطاء السياسية التي ارتكبت في حياتنا السياسية العربية بعيدا عن التسفيه او التشويه او خنق الحقائق.. وان «الاعتراف سيد الادلة» كما يقول رجال القضاء.
لا يمكننا البقاء دهرا طويلا ونحن نجتر الماضي بحيث نمّجد ونفخر ونمتدح ونتأسّى ونندب ونزيّف ونشتم وننتحل الاعذار ونرّبي اولادنا على تزييف الحقائق وخلق امجاد وهمية من اجل مسوّغات واهية، وعلينا أيضاً ان نفكّر طويلا بموجات «المفاهيم» التي تجتاح ثقافتنا السياسية العربية بين جيل وآخر.
وبكل ما تحمله من تعابير ومصطلحات وآراء تعيش بين ظهرانينا زمنا ثم تذهب ادراج الرياح غير مأسوف عليها، ويتجاوزها الآخرون، والعرب لم يتجاوزوها قط . لقد تغّير العالم كله واصبح يتعامل بفكر سياسي واقتصادي براغماتي من نوع جديد ولم يزل العرب يلوكون شعاراتهم !
انها في الحقيقة «مشكلة مفاهيم» فالأمر ليس مقصورا على الفاظ كالاشتراكية والامبريالية وصراع الطبقات ويعيش ويسقط.. وغيرها بل يمتد إلى توليد أفكار لا وجود لها على ارض الواقع، خصوصا بعد ان دخلت الفتاوى الدينية في قلب المنظومة السياسية .
مستلزمات التغيير
إن الحاجة تقتضي ايضا أن نعيد التفكير في كيفية بناء ذهنية سياسية لها شخصيتها وخصوصياتها بعيدا عن استيراد مفاهيم من زمان او مكان معينين لا يمكن تطبيقها واقعياً أبداً، ولقد بدا لنا جميعا ما الذي لاكته الالسن .
ونشرته المطابع واذاعته الاذاعات من شعارات وسياسات أخذتنا إلى حيث الجحيم، بعد ان اعتمد قادتنا وصناع قراراتنا على فكر سياسي عربي هش يكتبه وينشره ويذيعه سياسيون وكتبة غير واقعيين ابدا .
ان الفكر السياسي العربي لابد ان يبنى على معرفة ما وصل اليه عالم اليوم بعيدا عن التزمّت وان نفصل بين الفكر السياسي وبين الممارسة السياسية ، كما ونجد العاطفة السياسية تغلب على التفكير السياسي واذا ما انتقل هذا الأمر إلى الممارسة السياسية فسيجلب كوارث لا محالة، لأن أصحابنا سيتخيلوا الأوهام حقائق ويقيسون عليها قياسات سياسية وهمية فتزدحم حياتنا بالمآسي كما حدث..!
إن حمى هستيريا تصيب العرب عندما تستقطبهم بعض الاحداث المصيرية الكبرى فيتوهمون الاكاذيب حقائق وان النصر قريب وفجأة تحل الهزيمة فيحل بهم الحزن والاسى بعد ايام من الذهول من دون ان يعيدوا حساباتهم ولو لمرة واحدة كونهم يعتقدون ان صنّاع الكوارث ابطال حقيقيون !
وبرغم كل الجنايات والاهوال فلم يزل العرب يدافعون عن اخطاء وخطايا وجنايات من دون ان يخضعوا ما مضى للنقد والمكاشفة والمحاسبة التاريخية لكل من اساء في سياساته وقراراته وخروقاته المفجعة لهذه الامة المسكينة التي ابتليت بمثقفين وساسة عاطفيين لم يميزوا بين الاشياء والالوان والوقائع والتوجهات.
ولم يفرقّوا بين الحلم والممكن والطموح ولم ينزلوا إلى ارض الواقع من سماء الخيال.. ان ما يسود اليوم في البيئة العربية من اراء هشة ممتزجة بالعاطفة والاسطورة والاوهام والانشاء وترديد النصوص..
الخ لا يعد فكرا سياسيا بأي حال من الاحوال . فهل سينجح الجيل الجديد والقادم بمحاولات جريئة من اجل بناء خطوات تأسيسية لفكر سياسي عربي جديد؟ هذا ما يمكن التأمل فيه والعمل من اجله..
وعند ذاك سيقول الأحفاد: صفقوا يا إخوان، فلقد انتهت المهزلة!
مع تحياتي للجميع
اختكم
ســ الاحزان ــر